Thursday, January 29, 2015

Charlie Hebdo and post legal France شارلي إبدو وفرنسا ما بعد القانون








الخميس، ٢٩ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٥
فرنسا ما بعد «القانون»

English summary at end

رياض طبارة

غريب كم يتشابه ردّا الفعل الأميركي (مباشرة بعد اعتداء 9 أيلول - سبتمبر) 2011، والفرنسي (بعد الاعتداء الأخير على جريدة شارلي إيبدو). في كلتا الحالتين، حصلت حملة اعتقالات عشوائية لمسلمين واتخذت إجراءات أقل ما يقال فيها أنها تتجاهل حريات تؤمنها الدساتير الديموقراطية.

خلال أسبوع من حصول الهجوم على الجريدة في 7 كانون الثاني (يناير) كانت السلطات الفرنسية اعتقلت أكثر من مئة شاب مسلم بتهم غير محددة في معظم الأحيان. وبموجب قوانين لمحاربة الإرهاب أبرمت منذ سنة 1986، كان آخرها قانون وضع في تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة الماضية، تمت محاكمة بعضهم، وإصدار أحكام سجن بحقهم خلال أيام. من هؤلاء، وفق «نيويورك تايمز»، شاب تونسي الأصل له من العمر 28 سنة كان ماراً أمام دائرة شرطة وقام بالصراخ تجاه المركز متحدياً الشرطة قائلاً: «لقد قتلوا شارلي فضحكت كثيراً. في الماضي قتلوا بن لادن وصدام حسين ومحمد مراح والكثير من إخوتي. لو لم يكن لدي أم وأب لكنت تدربت في سورية»، فتم اعتقاله ومحاكمته. قبلت المحكمة دفاع محاميه بأنه كان ثملاً وتحت تأثير حشيشة الكيف، وأنه يشكو من مشاكل عقلية، لذا حكمت عليه بستة أشهر سجن فقط. هناك حالات أخرى مشابهة، وفق الصحيفة نفسها، تم فيها الاعتقال والمحاكمة وإصدار الحكم بالسجن لسنوات وذلك خلال ثلاثة أيام فقط.

«اجراءات غير عادية»

من جهة أخرى، أعلن رئيس الوزراء مانويل فالس عن «إجراءات غير عادية» ستكلف 425 ألف يورو لمراقبة 3000 شخص داخل فرنسا (هم فرنسيون بغالبيتهم) وإصدار تشريعات لتطوير المراقبة في كل أشكالها، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي. ويقول برونو لومير، كبير مستشاري وزير الداخلية الفرنسي، لـ «واشنطن بوست» أن السلطات وضعت أربعين جامعاً تحت المراقبة المشددة لكي يتحرك الأمن بسرعة عند معرفته أن أحد الأئمة يعتمد خطاباً متطرفاً في وعظه. وصرح رئيس الوزراء الفرنسي بأن إدارته ستؤسس قاعدة بأسماء الذين دينوا بتهم إرهاب، أو ينتمون إلى «مجموعة إرهابية مقاتلة» ما سيمكّن الدولة من إجبارهم على الإعلان عن أي تغيير في مكان إقامتهم أو عن النية بسفرهم إلى الخارج. وهو سينظر في إحياء قانون «الإهانة الوطنية» الذي تسانده المعارضة، والذي عُمل به مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية لبضع سنوات ضد المتعاملين مع الاحتلال النازي، ويسمح هذا القانون بسحب حق المتهمين بالاقتراع أو الترشح لمراكز رسمية. ويتخوف كثرٌ من الناشطين في مجال حقوق الإنسان في فرنسا، من أن تسنّ الدولة في النهاية قوانين مشابهة لـ «باتريوت آكت» الأميركي الذي فتح الباب للتجاوزات على حقوق المواطن التي تتّبعها الحكومة الأميركية حالياً، خصوصاً المراقبة المكثفة على تحركات مواطنيها والتنصت على كل أنواع تواصلهم والاعتقال المؤبد من دون محاكمة، وأموراً أخرى أصبحت معروفة وموضع محاربة وإن غير مجدية من جانب الناشطين في مجال حقوق الإنسان وآخرين.
فرنسا هي الأقرب للوصول إلى الحالة الأميركية بين دول أوروبا الغربية، علماً أن أوروبا كلها تبدو ذاهبة في هذا الاتجاه، فالقانون الفرنسي الذي يسمح بمحاكمات مستعجلة كالتي ذكرنا هو حكر عليها وغير موجود في الدول الأوروبية الأخرى. والقانون الذي أقر في أواخر السنة الماضية لمكافحة الإرهاب، يسمح للنيابة العامة بأن تعتقل أي شخص تتهمه بـ «التآمر من أجل الإرهاب» لمدة ثلاث سنوات رهن التحقيق، كما تسمح باستجوابه عند اعتقاله من دون حضور محامٍ للدفاع عنه. ومثل هذا القانون، وفق «واشنطن بوست»، غير موجود في أية دولة أوروبية أخرى. كما أن سهولة الإبعاد، خصوصاً بالنسبة إلى الإسلاميين، هي الأكبر في فرنسا أيضاً. ففرنسا أبعدت في السنوات الأخيرة مثلاً عشرات الأئمة بتهمة التشجيع على الكراهية أو التطرف الديني، من بينهم إمام من أصول تركية أنكر أن مسلمين اشتركوا في هجومي 9 أيلول 2001 في الولايات المتحدة. ويسمح القانون الفرنسي، خلافاً لقوانين معظم الدول الغربية بسحب جنسية المدانين من حاملي جنسيتين إذا كانوا قد حصلوا على الجنسية الفرنسية خلال 15 سنة أو أقل.

ازدواجية معايير

ولعل أسوأ ما في القوانين الفرنسية، والأوروبية في شكل عام، هو ازدواجيتها في ما يتعلق بحرية التعبير. فصور شارلي إيبدو المسيئة للنبي محمد (صلّى الله عليه وسلم) وللأديان في شكل عام، والتي، إضافة، إلى أنها تخدش المشاعر بسوقيتها وخشونتها، مسموحة تحت شعار حرية التعبير، بينما هناك قوانين تتعلق بالمحرقة اليهودية في ظل النازية تمنع حتى نشر البحث العلمي حولها. كما أن هناك قوانين تتعلق بما يسمى «معاداة السامية» تسمح بمعاقبة أي شخص يتكلم عن اليهود في شكل انتقادي، فقانون غيسو (Gayssot) الذي أقر سنة 1990 يمنع أي كلام حول المحرقة يشكك بوجودها ويستعمل كلمات كـ «المفترضة» (présumé) أو «المزعومة» (allégué) أو ما شابه للكلام عنها أو عن حجمها. وهذا الحظر لا يطبق على الحالات المشابهة لأن القانون مستمد من محاكمات القيادات النازية في نورمبورغ بعد الحرب العالمية الثانية، فعندما حصلت محاولة قانونية سنة 2012 لوضع الإبادة الجماعية بحق الأرمن ضمن هذا القانون رفضها المجلس الدستوري الفرنسي على أنها تخالف الدستور الفرنسي لأنها تتعارض مع حرية التعبير.

ويطبق هذا القانون بصرامة كبيرة ومن دون تمييز. فمن المحاكمات الشهيرة في هذا المجال محاكمتا جان ماري لو بين، سنتي 1987 و1997، عندما كان نائباً ورئيساً للجبهة الوطنية الفرنسية، وكان خلال المحاكمة الأولى نائباً في البرلمان الفرنسي والبرلمان الأوروبي، وحُكم عليه بغرامة تعادل مئتي ألف دولار في المرة الأولى، وخمسين ألف دولار في المرة الثانية مع مصاريف أخرى، لأنه قلل من قيمة المحرقة بقوله أنها هامشية في سياق الحرب العالمية الثانية. المحاكمة الثانية جاءت نتيجة محاولته تفسير كلامه عن هامشية المحرقة في تاريخ الحرب العالمية الثانية بقوله: «ليس هناك أي تقليل من أهمية الحدث أو احتقار له. فإذا نظرت إلى كتاب من ألف صفحة عن الحرب العالمية الثانية، حيث قتل 50 مليون شخص، فمعسكرات الاعتقال (لليهود) لا تغطي أكثر من صفحتين، وغرف الغاز 10 أو 15 سطراً، وهذا ما يسمّى تفصيلًا». وهناك سلسلة محاكمات البروفيسور في جامعة ليون، روبير فوريسون الذي كان نشر مقالتين في صحيفة «لو موند» الفرنسية، المحترمة في الأوساط الأكاديمية، يشكك فيهما في نواح مهمة من مسألة المحرقة وكذلك في صحة «مذكرات آن فرانك» وفي المعاناة المزعومة خلال الحرب العالمية الثانية لـ «إلي ويزل» الحاصل على جائزة نوبل، والأستاذ المختص بأمور المحرقة. حوكم فوريسون مرات عدة آخرها سنة 1995، وطرد من مركزه في جامعة ليون وغُرّم مرات عدة. وخلال كل ذلك تم الاعتداء عليه جسدياً مراراً، وكاد يتوفى نتيجة أحدها سنة 1989، وتم تحديد المعتدين الذين كانوا ينتمون إلى منظمة تدعى «أبناء ذاكرة اليهود»، ولكن لم يُلقَ القبض على أي شخص. وأخيراً لا بد من ذكر الفيلسوف الفرنسي الذي اعتنق الإسلام، روجيه غارودي الذي حوكم سنة 1998 بسبب كتابه «الأساطير المؤسِّسة للسياسة الإسرائيلية» وغرم بما يعادل 40000 دولار.

السخرية من الأنبياء ومن أي شخص آخر سوى اليهود، حتى لو كانت مقزِّزة بخشونتها، مسموحة في فرنسا تحت شعار حرية التعبير. لكن الكوميدي الأفريقي المسلم ديودونّيه مبالا مبالا الذي يسخر من اليهود وعاداتهم هو معادٍ للسامية، لذلك اعتُقل أكثر من أربعين مرة في السنين الماضية، وهو الآن يواجه محاكمة بسبب قوله على موقعه على «فايسبوك»: «إن التظاهرات التي شهدناها تعاطفاً مع شارلي إيبدو تشبه بسحرها الانفجار الكوني الكبير (Big Bang). «الليلة بالنسبة إليّ أشعر بأنني شارلي كوليبالي» جامعاً بين الجريدة وأحد الإرهابيين، الذين قتلوا في المواجهات.

ولعلَّ الأسوأ من الازدواجية في هذا المجال هو خيار فرنسا، كما أميركا من قبلها، الحل الأمني للإرهاب وإهمال التعامل مع الأسباب الكامنة وراءه، فقد اختارت الحكومة الفرنسية زيادة أعداد الشرطة ودعم المراقبة والتنصت وسنّ قوانين تحدٍّ من حرية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، إضافة طبعاً إلى كلمات خشبية روتينية عن أن الإسلام بريء من هذا الإرهاب. غير أننا لو نظرنا إلى خلفية الإرهابيين الثلاثة المتورطين في العملية لوجدنا أنهم يأتون من مناطق فقيرة ومهمشة كضواحي باريس وليون وغيرهما من المدن الفرنسية الكبرى، حيث مستوى البطالة يتجاوز العشرين في المئة، أي أكثر من ضعف المعدل العام، ويبلغ بين الشباب حوالى 40 في المئة. هذه المجتمعات المسلمة في غالبيتها تعيش في أفقر بيئة في فرنسا، حيث نصف المقيمين غير حاصل على شهادة ثانوية وحيث يتعرض الشباب إلى مضايقات مستمرة من رجال الأمن. المجتمع الفرنسي ينظر إليهم كخوارج.

استطلاع «لوموند»

في استطلاع نشر في «لوموند» سنة 2013، أجاب 26 في المئة من الفرنسيين فقط بأن الإسلام ينسجم مع المجتمع الفرنسي، مقابل 89 في المئة حصل عليها الدين الكاثوليكي و70 في المئة الدين اليهودي. لأربع عشرة سنة بقيت الفتيات المسلمات يُطرَدْنَ من المدارس لوضعهن الحجاب على رؤوسهن، بينما يسمح بلباس الرأس اليهودي (أليرمولك) والصليب، إلى أن جاء الرئيس شيراك سنة 2003، بحل أقل تمييزاً من خلال قانون يمنع لباس الرأس الديني للجميع (ليس هناك لباس رأس ديني للمسيحيين واليهوديات لا يلبسن أليرمولك) والسماح فقط بشارات حول العنق (كصليب صغير أو نجمة داود أو كف فاطمة). التمييز العنصري ضد هذه المجتمعات الإسلامية وتهميشها دفعا رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس المعروف بتشدده ضد الإسلاميين، إلى التكلم بعد الهجوم عن «وجود تفرقة عنصرية (أبارتايد) في فرنسا بأبعاد جغرافية محلية، واجتماعية وإثنية»، ثم تكلم عن وجود تمييز يومي لأن «اسم عائلة الشخص غير مناسب أو لأن لون بشرته غير مطلوب أو لأن الشخص هو امرأة». ويعلق قيادي من الناشطين المسلمين في فرنسا: «إن فرنسا في حاجة إلى قوانين ضد التمييز وليس إلى قوانين ضد الإرهاب».

حرية التعبير لا تتجزأ ولا تحتمل الازدواجية في المعايير، فما يُطبّق بالنسبة إلى اليهود يجب أن يُطبّق بالنسبة إلى فئات المجتمع الأخرى، بمن في ذلك المجموعة الدينية الثانية في فرنسا من حيث العدد. وحرية التعبير لها حدود، فكما قال أحد كبار القضاة الفيديراليين الأميركيين «إن حريتك في تحريك يدك يحدّها وجود وجهي في طريقها». التحدي الكبير هنا هو إيجاد الحدود المثلى التي تجمع بين حماية المجتمع والحفاظ على حرياته. إن السبيل الأنجع لمحاربة الإرهاب هو معالجة أسبابه وليس الذهاب حصراً في معالجة نتائجه أمنياً، ومن خلال قوانين تحدّ من الحريات. ما زالت أميركا تحارب الإرهاب بهذه الطريقة منذ أربع عشرة سنة توصلت خلالها إلى ما اعتبرته قمة النجاح بقتل أسامة بن لادن، وأعلنت مراراً أن الحرب على الإرهاب أشرفت على نهايتها الناجحة، وأنفقت تريليونات الدولارات على بنية تحتية أمنية غير مسبوقة، بينما الإرهاب ما زال يزداد ويقوى. هل ستتعلم فرنسا هذا الدرس أم إنها، كما يظهر حتى اليوم، ماضية في النهج الأميركي نفسه؟ أميركا خسرت بذلك الكثير من حرياتها وأصبحت كما وصفها نعوم تشومسكي «أميركا ما بعد القانون». هل سنرى بعد شارلي إيبدو «فرنسا ما بعد القانون»؟

* سفير لبنان في واشنطن سابقاً


English summary:

 


France Beyond the Law

Riad Tabbarah[1]

The immediate reaction of France to the Charlie Hebdo attack resembles the American reaction after 9/11: a mass arrest of Muslim youths (more than 100 in one week in France) and the enactment of laws that violate democratic constitutions. According to French Prime Minister Valls and other officials, the “unusual measures”, will cost 425 thousand Euros and will include substantial increase in the police force, the continuous monitoring of 3000 persons in France. 40 Mosques will also be monitored so that the security forces will intervene anytime the Imam makes what is considered extremist statements. Many French human rights activists and others fear that France will eventually enact a law similar to the infamous American Patriot Act.

France has already gone some ways in that direction more than other European countries. A law enacted last year, for example, permits the authorities to keep a person accused of conspiracy to commit terrorism in jail for three years to complete the investigation and has already banished scores of imams in the past few years including a Trukish Iman who denied that 9/11 was undertaken by Muslims.

There are obvious double standards in this regard, for French (and many European laws), while they accept extremely vulgar attacks on religious symbols as appears regularly in the newspaper Charlie Hebdo, they forbid even doubting the Holocaust or even using the words alleged or presumed in writing about it. This law applies only to the Jewish holocaust so when, in 2012, a legal attempt was made to include under it the Armenian genocide the French Constitutional Council ruled that this would be in violation of the Constitution because it conflicts with the right of speech. This law is strictly applied. Mr. Jean Marie Le Pen, the French Deputy was fined twice for saying that the holocaust is a detail in the history of the Second World War. Professor Robert Faurisson of University of Lyon was tried several times under this law for his research on the matter and beaten up several times. In one of these incidents he almost died and it was established that the thugs belonged to a Jewish militant organization but no one was arrested. While making fun of the Prophets is acceptable under French law, making fun of Jews is forbidden under the law against anti-Semitism as  proven by the more than 40 arrests of the comedian Dieudonne M’bala M’bala (see him on You Tube).

It is unfortunate that France has chosen the security solution to terrorism as did America before it with bad results. The three culprits in the Charlie Hebdo case come from some of the poorest suburbs of large cities in France where half of the residents do not have a high school diploma and where the unemployment rate is more than twice the national average reaching more than 40 per cent among youth. In a poll published in Le Monde in 2013 only 26 per cent of French believed that Islam is compatible with French society against 89 per cent for Catholics and 70 per cent for Jews. Prime Minister Valls, who is known for his anti-Islamist stand, said after the Charlie Hebdo attack that France practices “apartheid” against Muslims.

Freedom of speech is indivisible and what applies to some has to be applied to all. But it also has limits. The primordial question is how to find the proper balance between protecting the society and not violating the rights of the individual. Dealing efficiently with terrorism cannot be exclusively through security measures but has to deal with its causes. America has used the security approach for fourteen years already and terrorism has flourished. Noam Chomsky described the “national security state” that America has become as “Post-legal America.” Will we see soon a post-legal France too?



[1] Former Ambassador of Lebanon to the United States

Tuesday, January 20, 2015

Why Do Famous People Die Poor? لماذا يموت المشاهير ققراء؟

السّفير

لماذا يموت المشاهيرُ فقراءَ
رياض طباره


                 


 Riad Tabbarah
20-01-2015

English summary at end 

عندما توفيت المطربة صباح هبّ الشعب اللبناني للاشتراك في جنازتها وانطلقت مسيرات الرقص والغناء في الشوارع لأنها، كما قال البطريرك الراعي، «تركت خلفها رسالة الفرح». كما نعتها كل وسائل الاعلام المحلية والدولية بما في ذلك محطات التلفزيون العالمية أمثال الــ سي إن إن والجزيرة والــ بي بي سي (التي اعطتها لقب «ديفا ــ أي بريمادونا ــ الموسيقى») وغيرها معلنة أن الفرح رافق صباح الى مثواها الاخير. غير ان صباح التي «ملأت لبنان ومصر والعالم العربي غناءً وبهجةً وإطلالات فنية، مسرحية وسينمائية، قضت أعوامها الاخيرة نزيلة فندق بعد أن اضطرت إلى بيع منزلها وأملاكها». يتساءَل المرء أين كانت هذه الحشود عندما كانت صباح وحيدة في غرفتها؟

ولكن صباح ليست لوحدها بين مشاهير الغناء أو الفنانين العرب الذين أمضوا السنين الاخيرة من حياتهم فقراء ووحيدين. الكل يذكر ليلى مراد المطربة الكبيرة والنجمة السينمائية التي مثلت الى جانب عمالقة السينما المصرية أمثال محمد عبد الوهاب ويوسف وهبي وأنور وجدي وغيرهم خلال العقود المحيطة بمنتصف القرن الماضي. ليلى مراد تعرضت آخر حياتها لشائعات تتعلق بأصولها اليهودية، ثبت عدم صدقيتها، ولكنها برغم ذلك أمضت سنواتها الاخيرة فقيرة ووحيدة ومعزولة حتى وفاتها سنة 1995. وبعد ثلاث سنوات بدأ تكريمها ابتداءً بمنحها شهادة تقدير في مهرجان القاهرة السينمائي الى إنتاج مسلسل عن حياتها سنة 2009. وهناك الكثير من كبار الفنانين العرب الذين ماتوا فقراء، منهم فريد الاطرش الذي كان يسكن في آخر حياته في بيت مستأجر «ورصيده في البنك لا يتعدى الجنيهات القليلة». وكذلك عملاقا السينما المصرية يوسف وهبي وأمينة رزق اللذين امضيا سنواتهما الاخيرة على معاش تقاعدي يبلغ 32 جنيهاً في الشهر. أضف اليهم اسماعيل ياسين الذي أضحك الملايين بأفلامه والذي توفي مفلساً فقيراً تاركاً لابنه ديوناً مالية كبيرة. ورفيق ياسين في أفلامه، «الشاويش عطيه» رياض القصبجي، الذي لم يترك وراءه ما يكفي لمراسم دفنه ما اضطر بعض أصدقائه للمساعدة، وعبد السلام النابلسي ومريم فخرالدين وغيرهم وغيرهم.

وفاة كبار الفنانين مفلسين هو ليس طبعاً حكراً على العرب. فهناك الكثير من الفنانين الاميركيين مثلاً الذين عاشوا حياة في غاية النجاح والبحبوحة ولكنهم ماتوا في حالة من الفقر والوحدة. أذكر هنا فقط بعض الذين أعجبت بهم شخصياً في الماضي أمثال جودي غارلند الممثلة والمغنية والراقصة التي رقصت مع فْريد أستير الذي وصفها بانها «اعظم فنانة في العالم». هذه الفنانة الكبيرة التي عملت بنجاح في الفن لأكثر من 40 سنة، ماتت حزينة مدمنة على الخمرة والمخدرات وفي فقر كبير ولم تكن قد تجاوزت بعد الـ47 عاماً من العمر. ومن منّا، نحن الذين كنا في سن المراهقة في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن ولو لمدة وجيزة عاشقاً للمثلة هيدي لامار الملقبة «أجمل فتاة في أوروبا» أقلّه بعد ان شاهدها تمثل دور دليله في فيلم شمشون ودليله مع فيكتور ماتور. هذه المرأة التي حصلت على الملايين من أدوارها السينمائية في هوليوود «لم تترك لعائلتها سوى ألذكريات». وللذين أقلّ سناً أذكر المغني ذا الشهرة العالمية سامي دايفس جونيور الذي باع الملايين من ألبوماته الموسيقية وغنى في أشهر الاماكن حول العالم مات وعليه ديوناً كثيرة، بما في ذلك ديون للدولة الاميركية، ولم يترك لعائلته أي شيء يذكر سواها.

قد يقول البعض إن هذا لربما هو قدر المغنين والممثلين لأسباب خاصة بهم ولكن الكثير من المبدعين الآخرين في مجالات الفن الأخرى وفي قرون أخرى ماتوا بالحالة نفسها. فإن غوغ الرسام الهولندي من القرن التاسع عشر والذي بيعت أحدى لوحاته سنة 1990 بــ 82.5 مليون دولار (ما يـعادل اليوم حوالي 150 مليون دولار) لم يبع خلال حياته سوى لوحة واحدة وكان يتكل على أخيه لمعيشته. هذا الرسـام الكبــير مـات فقـيراً لا يملك شيئا سوى رسـومه وكـــان يشتــكي من عدم قدرته على بيعها قائلاً: «إنني لا أستطيع أن أغيّر الحقيقة بأن رسومي لا تباع. ولكن سيأتي يوم سيدرك الناس فيه أنها تســاوي أكـثر من ثمن الدهان المستعمل فيها». أما زميله وصديقه الرسام الفرنسي تولوز لوتريك الذي خلد برسومه حياة المسرح في باريس، وخاصة الـ مولان روج، فهو الآخر مات يشكو من الكآبة، مدمنا على الشراب، بحالة فقر مدقع ومريضا بالسيفيليس.
أسباب خاصة

فرانز شوبرت الموسيقي الكلاسيكي الشهير مات شاباً في ثلاثينيات العمر كما فان غوغ، وكما هذا الاخير لم يجد تقديراً لأعماله خلال حياته حيث كانت أعمال بيتهوفن وباخ تطغى على كل ما حولها. حفلته الموسيقية الاولى والاخيرة كانت ناجحة سمحت له أخيراً أن يشتري بيانو خاصاً به. ولكن صحته كانت في تراجع سريع فمات بعد أقل من ثمانية أشهر قبل أن يستطيع أن يجني ثمار نجاحه.

هناك الكثير أيضاً من الكتّاب الكبار العالميين ماتوا فقراء أو مطمورين . إدغار ألن بو الكاتب والشاعر المعروف الذي بيعت الملايين من كتبه بعد وفاته حاول في حياته أن يعيش من أدبه ولم يفلح فمات فقيراً. أوسكار وايلد مؤلف قصة «صورة دوريان غراي» الشهيرة والعديد من القصص والتمثيليات المعروفة عاش سنين حياته الاخيرة في باريس يدور في طرقها وينفق القليل مما لديه من مال على الخمرة وكان يقول لأصدقائه إنه سيموت كما عاش بأكثر من قدرته (beyond his means) وهكذا كان.
هذا غيض من فيض، فالكثير الكثير من الكبار ماتوا فقراء وحيدين. فصباح هي واحدة من هؤلاء الكبار الذين أعطوا العالم سروراً وبهجة ولم يستطيعوا أن يكملوا الطريق الى آخرها ليموتوا بالوقار والجلال الذي يستحقون. لكل واحد منهم قصته الخاصة وأسبابه الخاصة. صباح انفقت الكثير من الثروة التي جمعتها على أقربائها وأصدقائها من دون حسيب أو رقيب. جودي غارلند كانت مزواجة تزوجت خمس مرات وطلقت أربع مرات وانتهت مدمنة على الخمرة والمخدرات. هيدي لامار هي الاخرى كانت مزواجة، تزوجت وطلقت ست مرات، كان كل طلاق يكلفها مبالغ كبيرة من المال. فان غوغ وشوبرت وإدغار ألن بو ماتوا فقراء لأن الناس لم تقدر قيمة اعمالهم خلال حياتهم. تولوز لوتريك ولد مريضاً بمرض في عظامه مما جعله قصيراً لا يتجاوز طوله متراً و 54 سنتمتراً ما قد يكون أحد أسباب كآبته، وكان يمضي الكثير من وقته مع المومسات فمات كئيباً ومريضاً بالسيفيليس. أوسكار وايلد مات فقيراً لأنه كان ينفق من دون حساب ويعيش بمستوى يتجاوز إمكاناته المادية.

لكل قصته. وليس بين هذه القصص قاسم مشترك سوى أن أصحابها هم من المشاهير. ولكن هناك أيضاً الملايين من غير المشاهير نجحوا في حياتهم وماتوا فقراء. منهم رجال أعمال ومفكرون وكتاب ومهنيون وأناس عاديون نجحوا في مرحلة من مراحل حياتهم وفشلوا في آخرها فلم تدم لهم النعم. فهذه ليست حالة خاصة بالمشاهير. قصص المشاهير نعرفها بسبب شهرة أصحابها وليس لأنها قصص غير عادية. إنها قصص روتينية تحدث كل يوم ملايين من المرات في جميع أنحاء العالم ولا نسمع بها لعدم شهرة أصحابها. ليس هناك قاسم مشترك بين كل هؤلاء الناس، أمشاهير كانوا أم من غير المشاهير، سوى لربما أن هذه هي سنّة الحياة.


   :Summary
Why Do Famous People Die Poor

When Sabah, the famous Lebanese singer and actress, died, the whole Middle East rose to salute her
 great achievements. CNN called her the “Diva of Music.” But Sabah died in a hotel room where she was spending her last days, lonely and poor


But Sabah wasn’t the only Arab artist to die poor. Some of the most famous did too, including Leila Mourad  who was also a very famous singer and actress in her days as well as Farid al Attrash, one of the all-time greats among Arab composers and singers, the two giants of the Egyptian theater and movies, Youssef Wehbi and Amina Rizk, and the king of film comedy Ismail Yassin and his partner Riad Kassabji.

Famous artists dying poor does not apply only to Arab artists. Many American and European artists died poor and lonely. Judy Garland who acted in movies for over 40 years and was dubbed by Fred Astair, with whom she danced in musical, as the “greatest artist in the world,” died dejected and addicted to drugs and alcohol. Who among those of us who were teenagers in the fifties didn’t fall in love with Hedy Lamarr, the actress who was called “the most beautiful girl in Europe”, at least after seeing her in the role of Delilah next to Victor Mature. Fewer perhaps know that she died broke. For the slightly younger generation, we could mention Sammy Davis Junior whose albums sold in the millions and who also died indebted to many including the U.S. government. Too many artists fell in this category to try to mention here.

But this is not only the fate of artists. Vincent van Gogh, the 19th Century painter whose one of his self-portraits was sold in 1990 for $82.5 million and who used to complain that his paintings do not sell, died poor and dejected. He was joined in this fate by his friend the French paiter Toulouse Lautrec who made famous the night life of Paris, especially the Moulin Rouge. Franz Schubert had one successful concert in his life that allowed him to buy his own piano but died eight months later. These great artists were joined in their fate by great writers like Oscar Wilde who used to tell his friends that he will die like he lived “beyond his means.”

Each one of these greats had his own story. Sabah spent her money on her extended family and friends. Hedy Lamarr married and divorced six times each time costing her a part of her fortune. Van Gogh and Schubert died poor because their work was not appreciated during their lifetime. Lautrec had congenital bone problems which probably caused his very short stature (1.5 meters) and spent great deal of time with prostitutes and died of depression and Syphilis.

So each one of these greats had his particular story. Nothing in common among them except that they were all famous. But there are millions of non-famous people who also made fortunes during their lives and died poor and dejected but we do not hear of their stories because they are not famous. So there is nothing in common among all these people, whether famous or not famous, except perhaps that this is one of the rubrics of life.

Riad Tabbarah

Thursday, November 20, 2014

بعد الانتخابات النصفية: أوباما بطّة عرجاء تبحث عن إرث. After the mid-terms: Obama a lame duck looking for a legacy

English summary at end of Arabic text

الحياة 
الأربعاء، ١٩ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٤
أوباما يدفع ثمن تردده ولا ينفعه تحسّن الاقتصاد الأميركي

النسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ١٩ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٤



آ 
                                                                        جاي روكفلر مكان شاغر      نك رحال الديمقراطي العريق يخسر                             
تيم سكوت مفاجأة الجمهوريين


في 20 كانون الثاني (يناير) 2015 عندما يلتئم الكونغرس المنتخب سيكون عدد الديموقراطيين في مجلس النواب (بعد أن يكون قد تم العد في الدوائر الانتخابية السبع الباقية) 197 بخسارة 14 نائباً والجمهوريين 248، وسيكون عدد الديموقراطيين في مجلس الشيوخ (بعد انتهاء العد في ألاسكا وإعادة الانتخابات في لويزيانا) 46 مقابل 54 للجمهوريين بخسارة الديموقراطيين ثمانية مقاعد والغالبية التي كانوا يتمتعون بها.
حجم خسارة الديموقراطيين كانت أكبر مما تظهر الأرقام، على رغم أنّ خسارة حزب الرئيس بعض المقاعد في الكونغرس في الانتخابات النصفية هي القاعدة التاريخية لهذه الانتخابات. فقد خسر الديموقراطيون في هذه الانتخابات مقاعد في مجلس النواب كانت تعتبر آمنة لمدة طويلة انتخابياً كمقعد النائب من أصل لبناني نك رحال في فيرجينيا الغربية الذي كان يحتله لمدة 38 سنة على التوالي، على رغم أنه أبعد نفسه عن الرئيس أوباما في ما يختص بسياسته الهادفة إلى التخفيف من استعمال الفحم الذي هو مورد أساسي في الولاية، وهو ما خفّض نسبة مؤيدي أوباما في الولاية إلى 25 في المئة مقابل 40 في المئة على المستوى الوطني. وعلى مستوى مجلس الشيوخ من الولاية نفسها ربحت سيدة من الحزب الجمهوري المقعد الذي شغره جاي روكفلر لتكون أول عضو جمهوري في مجلس الشيوخ من ولاية فرجينيا الجنوبية منذ أكثر من 60 عاماً وأول امرأة تصل إلى هذا المنصب في تاريخها.
أضف إلى ذلك النجاح غير المنتظر لأول أسود في الجنوب الأميركي لمقعد في مجلس الشيوخ منذ نهاية الحرب الأهلية التي تحرر بنتيجتها السود من العبودية، وهو الجمهوري تيم سكوت من كارولينا الجنوبية. وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن عدد الجمهوريين في مجلس النواب أصبح اليوم الأكبر منذ عام 1928، علماً أن الحزب الديموقراطي خسر 70 مقعداً في المجلس منذ أن تسلّم أوباما رئاسة الجمهورية.
 بين نيكسون وكلينتون
لكن أكثر ما آلم أوباما من دون شك هو خسارة الديموقراطيين مركز حاكم ولاية الينوي التي جاء هو منها وكان عضواً في مجلس شيوخها قبل انتقاله إلى مجلس الشيوخ في واشنطن، خصوصاً انه قام بحملة مكثفة في الولاية لمصلحة المرشح الديموقراطي لمنصب الحاكم.
مباشرة، بعد معرفة النتائج الأولية للانتخابات وتأكد فوز الجمهوريين قامت قيادات الحزبين بالكلام عن ضرورة التوافق وإيجاد الحلول الوسط في السنتين المقبلتين لتسيير أمور الحكم، لكن هذا لم يؤخذ كثيراً على محمل الجد باعتبار أن مثل هذا الكلام ضرورة للجهتين لاكتساب الرأي العام أو على الأقل لعدم خسارته.
حقيقة الأمر أنّ أوباما سيواجه مشكلة كبيرة في الحكم خلال السنتين المقبلتين ليس فقط بسبب غالبية الحزب الآخر في مجلس النواب والشيوخ، فالماضي مليء برؤساء أميركيين وجدوا أنفسهم في الحالة نفسها، أمثال دوايت ايزنهاور ورونالد ريغان وغيرهما، استطاعوا تجاوز المرحلة بنجاح نسبي. لكنّ البعض الآخر دفع ثمن ذلك غالياً مثل ريتشارد نيكسون الذي اضطر للاستقالة خوفاً من إدانة (impeachment) في مجلس النواب ثم الشيوخ بسبب فضيحة ووترغيت، أو مثل بيل كلينتون الذي أدين في مجلس النواب وأنقذ في مجلس الشيوخ بسبب فضيحة مونيكا لوينسكي. ومن الممكن أن تحصل محاولة كهذه لإدانة أوباما في مجلس النواب والشيوخ خلال السنتين المقبلتين، علماً أن مجلس النواب أصدر قراراً يسمح لرئيس المجلس بالادعاء على أوباما لإجباره على تنفيذ قوانين المجلس، وهناك دعوات لمحاكمته من قيادات جمهورية، خصوصاً القيادات اليمينية المحافظة.

المحافظون آتون
الأسوأ بالنسبة إلى أوباما خلال السنتين المقبلتين أن معظم الجمهوريين الذين نجحوا في إزاحة الديموقراطيين، خصوصاً في مجلس الشيوخ هم من المحافظين الذين يعارضون بشدة سياسات أوباما الداخلية والخارجية. ولعل المركز الأكثر حساسية في هذا المجال هو مركز رئيس الغالبية في مجلس الشيوخ حيث تتم الموافقة على تعيينات كبار الموظفين من وزراء وقضاة وسفراء وغيرهم. فبتغيير الغالبية يخرج من هذا المركز الديموقراطي هاري ريد الذي كان أكبر حليف لأوباما ليحل مكانه ميتش ماكونل الذي يعتبر من ألد أعدائه. وحتى لو أراد ماكونل التساهل فهناك أعضاء حزب الشاي المتشددون وغيرهم من المحافظين داخل الحزب الجمهوري والذين تزايد عددهم في الانتخابات لمراقبته ولجمه.
خسر أوباما شعبيته حتى بين فئات الشعب التي كان لها الفضل في انتخابه رئيساً مرتين، أي بين السود واللاتين والآسيويين والنساء والشباب، فنسبة الذين صوتوا للديموقراطيين في هذه الانتخابات انخفضت مقارنة بانتخابات 2012 لكل هذه الفئات، بنسب متفاوتة أقلها بين السود (نقطة واحدة) وأكثرها بين اللاتين (6 نقاط) والآسيويين (23 نقطة)، لكن الخسارة الفاصلة كانت أن الحزب الديموقراطي لم يستطع أن يدفع الكثير من هؤلاء للمشاركة في الانتخابات بسبب الإحباط، كما يقول معظم المحللين.
ما الذي جعل أوباما يخسر شعبيته بهذه الطريقة الدرامية؟
في ما يتعلق بالسياسة الداخلية، وعد أوباما في أول عهده بأن يراجع قانون الهجرة وأن يدخل فيه بنداً لتصحيح حال المهاجرين غير الشرعيين ومساعدة المـــهاجرين الجدد للتأقلم على الحياة الجديدة ورفــع عدد التأشيرات للعمال الوافدين في حالات النهوض الاقتصادي، إضافة إلى ما يريد الجمهوريون من تشدد في مراقبة الحدود وضبط الهجرة غير الشرعية. ما حصل بالفعل خلال السنوات الست من عهـــده هــو الفشل في تمرير القانون وفقط في تسجيل رقم قياسي في طــرد العمالة غير الشرعية التي هي في معظمها من الأقليات، خصوصاً المكسيكيين واللاتين الآخرين.
كما أن أوباما حاول منذ بداية عهده «إصلاح» النظام الصحي واستطاع بعد أقل من سنتين أن ينال من الكونغرس التشريع المسمى إعلامياً «أوباماكير». غير أن مجلسي النواب والشيوخ في حينه كانا يتمتعان بغالبية ديموقراطية بعكس الحال اليوم وكانت شعبية أوباما ما زالت في أوجها. منذ ذلك الحين والاعتراضات تتزايد، خصوصاً أن البرنامج واجه في تطبيقه صعوبات جعلت الكثيرين يفقدون الثقة بقدرة إدارة أوباما على تطبيق القانون، إضافة إلى قسم كبير من الناس الذين لا يوافقون عليه بسبب جهلهم بتفاصيله أو لأسباب مختلفة.
حتى الاقتصاد الذي تحسّن في عهد أوباما وخرج إلى حد كبير من المأزق المالي الذي وقع فيه في أواخر عهد بوش الابن، لم ينفع أوباما كثيراً على رغم انخفاض مستوى البطالة، لأن انطلاقة الاقتصاد لم تزل مترددة ولم تترجم بعد بارتفاع في أجور العاملين بشكل عام. ويتهم العمال والمتقاعدون أوباما بأنه أهمل أيضاً إدخال غلاء المعيشة في نظام التأمين الاجتماعي على رغم وجود مشروع قانون بهذا الصدد منذ مدة طويلة.
 أبحث عن التردد
لا شك في أن السبب الرئيسي الجامع يكمن في شخصية أوباما نفسه وقدرته القيادية. فأوباما متردد بطبيعته غير مقدام يصعب عليه اتخاذ القرارات الحاسمة، وهو يواجه المشكلات بخطابات رنّانة بدلاً من محاولة حلها فعلياً. هذه الخطابات والوعود التي أطلقها في حملته الانتخابية الأولى في 2008 أعطت الناس آمالاً كبيرة بأنه سيتخذ القرارات الصعبة لحل مشاكل أميركا الداخلية والخارجية وأن عهده سيكون عهد التغيير، ولم لا؟ فشعاره كان «نعم نستطيع». في خطاب القسم عام 2009 قال أوباما «إن بعض الناس يشكون في حجم طموحاتنا وبأن نظامنا لا يتحمل كثرة مشاريع كبيرة. هؤلاء المشككون لا يفهمون أن الأمور تغيرت وأن الحجج الماضية المهترئة التي حملناها لمدة طويلة لم تعد تفي بالغرض». هذا الرئيس الذي كان وضع كتاباً بعنوان «جرأة الأمل» (The Audacity of hope) انتهى في السنوات الأخيرة يتكلم عن أهدافه بلغة لعبة البايسبول حيث يتطلب تسجيل الهدف الوصول إلى القاعدة الرابعة قائلاً: «أحياناً تصل إلى القاعدة الأولى، أحياناً إلى الثانية. وبين الحين والآخر تستطيع أن تسجل هدفاً... هكذا تتفادى الأغلاط». وخلال رحلته الأخيرة إلى الشرق الأقصى في نيسان (أبريل) الماضي لخّص أوباما سياسته الخارجية للصحافيين المرافقين بعبارة واحدة «لا ترتكب حماقات وسخة» (Don’t do stupid shit)، وجعل الصحافيين يرددونها بصوت واحد وكأنــه أستاذ في المرحلة الابتدائية يعلم تلاميذه على حفظ الدرس عن ظهر قلب. هذا الفارق الكبير بين الطـمـــوحات التي لا حجم لها و«نعم نستطيع» وجرأة الأمل، أحبطت الآمال بقدرة الرئيس على القيادة ما دفع أرون ميلر، المسؤول السابق في عهد الرئيس كلينتون، إلى تسمية أوباما «القائد الأعلى للخيبة» غامزاً من كون أوباما القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويظهر هذا جلياً في الانتقادات الموجهة له في ما يخص سياسته الخارجية. هيلاري كلينتون في كتابها الذي صدر حديثاً تزعم أنها طلبت من أوباما مساعدة الثوار السوريين في بداية الثورة ولم يفعل ما أوصل الأمور إلى ما عليه الآن. وفي مقابلة صحافية حديثة تقول في مقارنة بين أوباما وبوش الابن ما معناه أن التردد في معالجة الأمور بحزم في البلدان التي تحتاجها ليس أفضل من الاعتقاد بأنه ليس هناك مشكلة مهما كبرت لا تستطيع أن تحلها باستعمال الجيش الأميركي. وفي المقابلة نفسها تتهكم هيلاري على أوباما بالقول إن الدول العظمى لديها مبادئ تنظيمية وجملة «لا تفعل حماقات وسخة» لا تشكل مبادئ تنظيمية.
أما روبرت غايتس وزير الدفاع السابق في عهد أوباما الأول، فقد أصدر هو الآخر كتاباً ينتقد فيه سياسة أوباما الخارجية، خصوصاً في ما يتعلق بأفغانستان، بقسوة بالغة. فأوباما هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية لكنه لا يثق بجنرالاته وغير مؤمن بالخطة التي وافق عليها شخصياً ولا يعتبر أن الحرب حربه، وأنه لا يهتم إلا بالانسحاب، وإنّ قراراته مبنية على المصلحة الانتخابية بحسب ما جاء في الكتاب.
أما وزير الدفاع الآخر في عهد أوباما، ليون بانيتا، فهو أيضاً أصدر كتاباً ينتقد فيه سياسة أوباما في العراق معتبراً أن الرئيس «فقد طريقه» وخلق فراغاً ملأه تنظيم «داعش»، وكان قد رفض النصيحة التي كان قد قدمها كبار مساعديه بمساعدة الثورة في سورية في بدايتها قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه.
هذه الانتقادات جاءت من أقرب المقربين، ما أعطى انطباعاً واسعاً بين الأميركيين بأن أوباما بتردده وإهماله مسؤول عن وجود «داعش» وغير كفوء لقيادة أميركا في هذه المرحلة الصعبة، بما في ذلك الحرب على «داعش» التي أصبحت حاسمة في نظر الأميركيين بعد الانتشار الواسع لفيديو ذبح الصحافي الأميركي جايمس فولي ومن ثم ستيفن ساتلوف والرعب الجماعي التي خلقته هذه المناظر الوحشية في قلوب عامة الأميركيين.
كيف ستتغير سياسة أميركا الداخلية والخارجية بعد أن أصبح أوباما، بحسب جريدة بيلد الألمانية، ليس فقط بطة عرجاء بل أيضاً منتوفة الريش؟
 * السفير اللبناني السابق في واشنطن     غداً حلقة ثانية أخيرة


الحياة
الخميس، ٢٠ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٤

إيران والإرهاب والعلامة التي سيسجّلها أوباما في سنتي حكمه الأخيرتين



كون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أصبح بعد الانتخابات الأخيرة بطّة عرجاء لا يعني أنه، نظراً إلى الصلاحيات الممنوحة له دستورياً والمكتسبة عرفياً، محيّد عن القرار السياسي داخلياً وخارجياً. فلدى الرئيس في هذا المجال أسلحة هجومية ودفاعية مهمة ولو أنها أقل فاعلية من التي في حوزة رئيس يتمتع حزبه بغالبية في مجلسَي الكونغرس.

السلاح الهجومي الأول يتمثل في ما يسمى القرارات التنفيذية (Executive Orders) المعطاة للرئيس لتمكينه من تفعيل عمل الوزارات والإدارات التابعة له بوصفه رئيس السلطة التنفيذية، وتمكينه كذلك من تطبيق القوانين الصادرة عن الكونغرس. وتعتبر القرارات التنفيذية بمثابة قوانين الا إذا نقضها القضاء الفيديرالي. كما يستطيع عرفاً إصدار قوانين مشابهة تحت مسمى «مذكرات رئاسية» (Presidential Memoranda) لها الوضع القانوني نفسه. هذه الصلاحية لها تاريخ من إساءة الاستعمال من جانب الرؤساء وتاريخ من النقض من جانب المحكمة الفيديرالية العليا، وأوباما، رغم ذلك، وسّعها الى ما سماه «إجراءات تنفيذية» (Executive Actions) تشبه القرارات التنفيذية ولكن ليس لها فعل القانون، ولها وطأة نفسية أقل على المشترعين في مجلس النواب. وبين الحين والآخر، وبسبب المعارضة الكبيرة التي كان يواجهها في مجلس النواب، وضع أوباما إجراءات تنفيذية في إطار مذكرات رئاسية ليعطيها صفة شرعية ملتفاً بذلك حول القانون.

كما أن الرئيس يملك، وفق الدستور، صلاحية توقيع معاهدات دولية بعد استشارة مجلس الشيوخ وموافقته. غير أن صلاحياته أيضاً تشمل توقيع «اتفاقات تنفيذية» (Executive Agreements) من دون الرجوع الى مجلس الشيوخ على أن يُعلم المجلس بها بعد 60 يوماً من توقيعها.

دفاعياً، يستطيع الرئيس وضع فيتو على أي قانون من الكونغرس يرفع له للتوقيع ما يتطلب إرجاعه الى الكونغرس حيث يتطلب ثلثي أصوات المجلسين لكي يصبح نافذاً في الجولة الثانية. كما يسمح العرف للرئيس بتوقيع قوانين مع تحفظات تخوله عدم تطبيق بعض بنود هذه القوانين أو تعليق بعض القوانين المطلوب منه تنفيذها، ولكن من دون إمكان إلغائها.

في المقابل، إذا استعمل الرئيس هذه الصلاحيات في شكل تعسفي ومتماد يستطيع الكونغرس بمجلسيه محاكمته وإبعاده عن الحكم.

هذه بعض التداخلات الرئيسية بين صلاحيات الرئيس الأميركي وصلاحيات الكونغرس التي تصبح ذات أهمية بالغة عندما يتمتع الحزب المعارض في الكونغرس بغالبية في مجلسيه تخوله الوقوف في وجه الرئيس وقراراته في شكل يؤدي إلى مآزق يصعب الخروج منها، بما في ذلك عدم التوافق على موازنة في الوقت المحدد وبالتالي إغلاق الحكومة كما حصل مرات عدة في الماضي آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) من السنة الماضية، أي في عهد أوباما نفسه، كما قد يؤدي في الحالات القصوى إلى محاكمة الرئيس قبل نهاية عهده وإقصائه.

لعل ما سيخفف من حدة المواجهة هو أن الأميركيين تعبوا من المواجهات وأنهم توّاقون لحكم أكثر فعالية من الماضي. فالكونغرس المنتهية ولايته كان الأسوأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من حيث عدد القوانين التي أصدرها ما جعل شعبيته بين الناس الأكثر انخفاضاً في التاريخ الحديث، إذ بلغت نسبة التأييد لعمل الكونغرس، في آخر استطلاع أجري قبل الانتخابات النصفية الأخيرة، 8 في المئة. ويطاول هذا التذمر الشعبي الجمهوريين كما الديموقراطيين، ما يفسر عدم تحول الناخبين في شكل ملحوظ في الانتخابات الأخيرة من مساندة حزب إلى آخر، بل اعتكف كثر عن التصويت ما يفسر بدوره نسبة المشاركة الضئيلة في الانتخابات، وهي الأقل منذ 72 سنة.

هدنة وفرصة
قد يحاول الحزبان الوصول الى اتفاقات على الأمور السهلة في بداية المرحلة لإعطاء الانطباع الجيد للناس وتسهيل بعض أمورهم. سيعطي الجمهوريون مثلاً أوباما الفرصة الكاملة التي يطلبها لتوقيع اتفاقات تجارية مع دول عدة كان الكونغرس قد ماطل فيها، علماً أن المعارضة والمماطلة كانتا من جهة الديموقراطيين أكثر بكثير من الجمهوريين. وتقول قيادات الجمهوريين إنها لن تحاول إلغاء نظام أوباما الصحّي «أوباماكير» كما يرغب المتشدّدون في الحزب، ولكنهم على الأغلب سيغيّرون بعض البنود الأساسية فيه علماً أن دعاوى أقيمت أمام المحكمة الفيديرالية العليا على دستورية تلك البنود كادت تطيح القانون عام 2012، وقد تطيحه كلياً أو جزئياً بعد أن تنتهي المحكمة قريباً من النظر في دعوى أخرى.

وستكون إحدى المواجهات الكبرى في مجال التعيينات الإدارية والقضائية التي على الرئيس أن ينال موافقة مجلس الشيوخ عليها، بما في ذلك تعيينات الوزراء إذا قرّر تغيير بعضهم (ولذلك قد يحجم أوباما عن أي تغيير في الحقائب الوزارية) والسفراء والقضاة الفيديراليين. كما ستشمل المواجهات ملف الإصلاح الضريبي الذي هو موضع خلاف بين الليبراليين واليمينيين، خصوصاً أن الديموقراطيين في الكونغرس الجديد سيكونون أكثر ليبرالية والجمهوريين أكثر توجهاً نحو اليمين.

أما المواجهة الكبرى في السياسة الداخلية فستكون من دون شك في ملف مراجعة قانون الهجرة الذي تسبب تأجيله بخسارة أوباما في الانتخابات الأخيرة أصوات كثيرين من مؤيديه التقليديين بخاصة اللاتين، إذ كان قد وعد بأن القانون الجديد سيسوّي أوضاع ملايين من العمال الأجانب غير الشرعيين الذي هم في بغالبيتهم من تلك الفئة (لا أحد يعلم عددهم الصحيح والتقديرات تراوح بين 5 ملايين و11 مليوناً)، وزيادة التأشيرات المعطاة للعمال الأجانب، وأنه سيضع خريطة طريق لتمكين بعضهم من حيازة الجنسية الأميركية. كما وعد بمساعدة المهاجرين القانونيين في تحسين قدراتهم ودمجهم في المجتمع الأميركي.

قانون كهذا لن يمر في الكونغرس الجديد ولذلك سيضطر أوباما لاستعمال قرارات أو إجراءات تنفيذية للوفاء ببعض هذه الوعود خلال المدة المتبقية من ولايته، تحضيراً لانتخابات الرئاسة عام 2016، وقد بدأ العمل في هذا الاتجاه، ما سيشعل أول شرارة حرب بين الكونغرس والبيت الأبيض.

السياسة الخارجية
هناك مطبات كبيرة أيضاً في السياسة الأميركية الخارجية بدءاً بمحاربة تنظيم «داعش». فالقرار الذي اتخذه أوباما بمحاربة التنظيم كان بضغط من اليمينيين في الكونغرس وطبعاً بسبب التحوّل في الرأي العام الأميركي في شأن محاربة «داعش» في العراق وسورية. غير أن المتشدّدين في الكونغرس يطالبون بتكثيف الهجمات الجوية والإسراع في تدريب المقاتلين وتسليحهم ومساندتهم على الأرض. وقال أوباما أخيراً إن الاولوية لديه هي محاربة «داعش» في العراق وإن محاربة التنظيم في سورية ثانوية هدفها إضعافه في العراق وقطع خطوط إمداداته.

هذا الموقف قد يسبّب خلافاً بين أوباما والكونغرس الجديد لأن الفكرة الأكثر شيوعاً بين الجمهوريين واليمين الديموقراطي هي توسيع رقعة الاشتباك في سورية لتشمل إضعاف النظام قبل الشروع في تسوية سلمية على أساس اتفاقات جنيف، وهذا ما يطلبه الكثير من حلفاء أميركا بخاصة السعودية وتركيا وفرنسا. أما الرسالة التي أرسلها أوباما إلى خامنئي فقد عقّدت الأمور أكثر إذ يعتبر بعضهم أنها فتحت باب التعاون مع إيران في محاربة «داعش» وهو ما ترفضه قطعاً الغالبية الكبرى في الكونغرس مدعومة من إسرائيل واللوبي اليهودي. المواجهة الكبرى في مجال السياسة الخارجية الأميركية ستكون في ما يختص بالمفاوضات على الملف النووي الإيراني. فغالبية أعضاء الكونغرس لا تثق بمقدرة أوباما وفريقه على الوصول إلى اتفاق يفكّك نهائياً البرنامج النووي الإيراني أو، على الأقل، يمنعه لعقود طويلة من إنتاج قنبلة نووية، وهذا هو مطلب الجمهوريين وعدد كبير من الديموقراطيين ويتماشى مع رغبات نتانياهو والحكومة الإسرائيلية. ويعتقد كثر أن اتفاقاً كاملاً لن يحصل في الموعد المحدد أي 24 من الشهر الجاري، وفي الوقت نفسه فالفشل الكامل غير مقبول من الجهتين، ما سيضطر المفاوضين الوصول إلى اتفاق إطار أو ما شاكل وتمديد مدة المفاوضات إلى 2015. ولكن التخوّف في الكونغرس هو أن يوقّع أوباما على اتفاق لا يجبره الحصول على موافقة مجلس الشيوخ باعتباره «اتفاقاً تنفيذياً» وليس «معاهدة» وأن يعلّق العقوبات أو أهمها من دون إلغائها، لأن إلغاءها هو من صلاحية مجلس النواب الذي وضعها في المقام الأول.

وجعل عدم الثقة المتبادل بين الكونغرس الجديد والبيت الأبيض قيادات الكونغرس تتحسّب لهذه الاحتمالات من خلال إجراءات كالتحضير لعقوبات جديدة على إيران نالت في الماضي القريب غالبية كبيرة في مجلس الشيوخ شملت عدداً لا يستهان به من الديموقراطيين، طبعاً بدفع كبير من اللوبي الإسرائيلي. أيّ تحدّ من أوباما في هذا المجال سيشعل حرباً بينه وبين الكونغرس لمدى السنتين المقبلتين ما يجعل الكثيرين يستبعدون مواجهة كهذه.

ويجب ألا ننسى تأثير الكونغرس الجديد في الحرب الباردة الثانية التي أطلقت شرارتها المشكلة الأوكرانية والتي قد تتأزّم أكثر بوجود غالبية في الكونغرس تلوم أوباما على تعامله الخجول مع الهجمة الروسية في شرق أوروبا. وكان بعضهم حذر أوباما سابقاً من سياسة مد اليد إلى الروس. لكن أيّ تشدّد في السياسة الأميركية تجاه روسيا سيرسخ الحرب الباردة ما سينعكس على العالم بأشكال يصعب توقعها حالياً.
السنتان الأخيرتان من عهد أي رئيس أميركي يخصص القسم الأكبر منهما لتثبيت الإرث (legacy) الذي ينوي الرئيس تركه للتاريخ. أوباما يبحث عن إرث ولا يجده. أوباماكير مثير للخلاف وهو في دائرة خطر الإلغاء أو التغيير الجذري. الاقتصاد تعافى على مستوى وول ستريت وخفّض مستوى البطالة ولكنه لم يرفع مستوى الأجور، بل إن مداخيل بعضهم، خصوصاً السود، انخفضت، كما توسّعت الفجوة بين المداخيل لمصلحة الأغنياء.

أراد أن يكون إرثه الانسحاب من العراق وأفغانستان فإذا به يعود إلى العراق ويفتح جبهة جديدة في سورية بعد تردّد طويل جعل الأمور أكثر تعقيداً. أراد مدّ اليد للروس ففشل وقد يكون إرثه غير المقصود في هذا المجال هو بداية الحرب الباردة الثانية. حاول أن يبني إرثاً من خلال إنجاز تقدم غير مسبوق باتجاه حل للقضية الفلسطينية وإذ بالأمور تتراجع وتتأزّم أكثر فأكثر. يحاول الآن أن يحرز تقدماً في ملف الهجرة وقد ينجح إلى حدّ ما في النهاية، إلا أن هذا الإنجاز سيوضع، جزئياً على الأقل، في خانة مساعدة الحزب الديموقراطي على استعادة بعض مؤيديه التقليديين. أراد في النهاية أن يكون إرثه النجاح في مفاوضات الملف النووي الإيراني فوجد نفسه بعد سنة من الجهد في مأزق بين اتفاق لا يرضى به الكونغرس وعدم اتفاق يترك الأمور في مهب الريح.
 * السفير اللبناني السابق في واشنطن

English Summary
The extent of the loss of the Democrats in the last mid-term election is even greater than it appears at first sight. They lost in districts that had been considered secure for a long time such as the loss of Democratic Congressman Nick Rahall in West Virginia after 28 years as representative of his district. Obama’s approval rating in West Virginia had fallen to 25 per cent as against 40 per cent nationally which doomed Rahall. But what must have pained Obama most was the loss of the democrat running for Governor of Illinois, the home state of the president, after he has vigorously campaigned for him.
Obama lost his support even among the groups in the population that were responsible for his election twice such as blacks, Hispanics women and youth. His failure to pass legislation considered crucial for these groups (for example, reform of the immigration law) is partially responsible for this loss. But the main Obama problem lies in his hesitancy in facing problems that are of major national interest. Hilary Clinton, the former Secretary of State, Bill Gates, the former Secretary of Defense, Leon Panetta, the former Director of the CIA all published memoirs criticizing Obama’s hesitant approach to major issues.
Now that the Republicans have a majority in both houses of Congress, and the conservative wing of the Republican Party even more powerful than before, a faceoff between Congress and the White House seems inevitable over the next two years, that is, the remaining mandate of Obama. How is Obama expected to behave now that he has been, in the words a German newspaper, not only made a lame duck but a plucked dug as well.
Obama has some weapons in his hands: In facing a hostile Congress he can pass legislation in the form of “Executive Orders” or “Executive Memoranda”, two privileges given to him for the purpose of allowing him to better run the executive branch and execute the laws passed by Congress. He has also created what is called “executive action” which does not have the status of laws but has been used as such. In foreign affairs, treaties need to be approved by the Senate but “Executive Agreements” could be signed by him without Congressional approval but the Senate needs to be informed of them after 60 days. The President can also Veto legislation which would then need two-thirds majority in both houses to pass and can sign laws passed by Congress while refraining from implementing parts of them. Some of these actions could be challenged in court by members of Congress and the Congress has the right to impeach the President in extreme cases.
Some compromises will inevitably be made in future because Americans do not wish more confrontations. The approval rating of the departing Congress is as low as 8 per cent, the lowest in 72 years.
Nevertheless, one confrontation will be on the passing of immigration reform which Congress will turn down and the President will pass through executive action. Externally, Congressional pressure to widen the war against ISIS to include the Syrian regime and to speed up the training and arming of vetted opposition fighters will be exercised on the President. More important, Congress will try to make sure that the agreement with Iran on its nuclear program will include dismantling of the program as demanded by Israel and other allies which will be unacceptable for the Iranians. Since neither a deal is probable under these circumstances nor complete failure is acceptable by both negotiating sides, the solution might be some sort of interim agreement and extension of the negotiation timetable.
A conservative Congress will insist on a more firm stand against Russia in Ukraine and East Europe which will undoubtedly make a second cold war, which seems to have started, more of a long term proposition.
Obama is now in search of a legacy, which presidents usually establish mainly at the end of their mandate. But he seems to find no issue that would qualify. Obamacare is in shambles and the majority in the new Congress is determined to either change it radically or destroy it altogether. The economy is doing better at the level of Wall Street and the reduction in unemployment but wages have been stagnant and incomes of the poor, especially the blacks, have declined. Obama promised to withdraw from Iraq and finds himself returning there and expanding the war to Syria. He tried to make progress in solving the Palestinian question but he leaves situation in worse condition than when he started. He extended a friendly hand to Russia and now finds himself starting a second cold war with it. He may achieve some progress on the immigration issue but that is generally viewed as a short term achievement whose purpose is the Presidential Elections of 2016. He finally tried to make a deal with Iran on its nuclear program a major achievement but he found himself in a dilemma of either achieving a deal that Congress and many of his allies, including Israel, will reject or postponing things to an unknown future.